الأحد، أكتوبر ٢٦، ٢٠٠٨

الكحيان والكتاب الجامعي .... على هامش فشكول والجامعة






لقد عصر العم فشكول بقوة موضعا غائرا وجرحا من جراحاتنا المتقيحة التي لا تكف عن النزيف،ألا وهو جرح الكتاب الجامعي، والحق أن هذه المسألة فيها اختلاط شنيع بشيع، يقف وراءه السلبية والعشوائية واختلال المفاهيم والوصولية في كثير من الأحيان. وإن التجاوز فيها ينتسب إلى أطراف عدة، فهذه القضية من وجهة نظري المتهم فيها : الجامعة بسياساتها التخبيطية، والأستاذ الجامعي بسلبيته وانكماشه، والطلاب - ومن خلفهم الآباء - بما تم زرعه فيهم وتعويدهم عليه من أفكار تربوية خاطئة ومبادئ مشوهة ؛ مثل الاعتماد على الدروس الخصوصية واستظهار الأفكار الملخصة والمبرشمة والمفذلكة والمشوهة، التي قتلت فيهم القدرة على التفكير والإبداع وخلقت فيهم الاتكالية وضعف الشخصية وعدم الاعتماد على الذات .

وأحب أن أنبه إلى أن الفساد في هذه القضية وغيرها، لا يقتصر على كلية دون أخرى ، ولا على الكليات النظرية - كما قيل - دون العملية بل الناس في ذلك شركاء، فالأمر موجود ولكن له أشكال متعددة ومتنوعة ومتلونة ربما لا يفطن إليها الكثيرون، فكثيرون ممن يشترون المراجع الأجنبية لا يعلمون أن الطبعات التي في أيديهم ليست طبعات أصلية بمعنى أن من يبيعهم هذه النسخ، يعيد تصوير النسخ الأصلية ويجلدها مع المحافظة على شكل غلافها ويبيعها بـ 50 أو 70 جنيها وهي في الحقيقة لا تكلفه أكثر من 10 جنيهات مع هضمه لحقوق المؤلفين والناشرين الأجانب الذين لا يرونه ولا يسمعون به، وهذه الأموال تذهب إلى جيوب هؤلاء الناشرين- أو المصورين إن أردنا الدقة - ومن يقف وراءهم من الأساتذة. وإن الطلاب الذين ليس لهم خبرة بشؤون النشر والتصوير والسرقة، قد لا يفطنون إلى الفرق بين الأصل والصورة. هل تعلم ياعم فشكول أنني منذ فترة وجيزة كنت في دورة تلزمنا الجامعة العريقة بها تخص تكنولوجيا التدريس، كان يقوم بالتدريس فيها أستاذ جامعي - من كلية عملية - والغريب أن أغلب البرامج الموجودة على حواسب الجامعة مضروبة - أي ليست أصلية - وهذا الأستاذ كان يأخذ على عاتقه طوال فترة التدريس تعليمنا كيفية ضرب البرامج المحمية والحصول على الباسورد واليوزرنيم وما إلى ذلك ، بل الغريب أنه راح يبرر ذلك ويذكر له مستندا شرعيا دينيا بحجة أننا لسنا تجارا نتربح من الأمر وإنما نحن طلاب علم بغيتنا العلم والمعرفة ..هكذا ، ولن أفند هنا رأيه لأنه متهافت جدا يسهل الرد عليه بالأدلة الشرعية وغير الشرعية، وهذا مثال على تداخل الأمور عندنا وبلادة الفكر واختلال المبادئ والاتكالية والاعتباطية والاستباحة واختلاط الحلال بالحرام....!!


وأنا في الحقيقة أنادي منذ فترة بضرورة إلغاء الكتاب الجامعي جملة واحدة، فإن الكتاب من وجهة نظري هو منبع الشرور، وهو من أكبر العوامل التي تسببت في انهيار العملية التعليمية وفشكلتها وتفريغها من معناها ... لماذا ؟ :

1- لأن الكتاب يعود الطالب البلادة والتكاسل، ويجعله يحرم على نفسه دخول المكتبات، فلا يحاول السعي إلى زيادة حصيلته العلمية والمعرفية، وإنما يقنع بالمادة الضئيلة المدونة يستظهرها إلى أن يحين وقت الامتحان فيستفرغ ما حفظ في ورقة الإجابة ثم ينصرف كأن شيئا لم يكن .

2- لأن الكتاب الجامعي يقمع أي فرصة لانتاج مشروع باحث علمي مقتدر يحقق ويدقق ويجادل بطريقة منهجية، مستخدما المناهج المفيدة التي يُفعِّلها من أجل الوصول إلى النتائج السليمة بلا دجل أو شعوذة أو فبركة أو تلفيق، فالكتاب يعود الطالب على الفكر الواحد والاتجاه الواحد ويزرع فيه روح الاتباعية والإمعية وربما الآبائية - من قول الكفار هذا ما وجدنا عليه آباءنا - .

3- وإن الكتاب الجامعي ليسقط هيبة الأستاذ تماما؛ لأن الطلاب يستحقرونه عندما يضغط عليهم من أجل شراء الكتاب، بوسائل متخلفة مضحكة مثل فكرة الشيت، وفكرة تسليم البطاقة الشخصية مع الإمضاء عند الناشر - حدث هذا معنا والله - وربما طلب الأساتذة في السنوات القادمة الفيش والتشبيه ، والـ DNA. !!!


والله لقد جرب معنا أحد الأساتذة الأفاضل فكرة إلغاء الكتاب - وقد اعترض عليه الطلاب وشكوه في أول الأمر - فاستمتعنا بمحاضراته، وكنا أشد تعلقا بالمكتبة نزورها كثيرا على غير المعتاد، وقد حصلنا من المعلومات أضعاف أضعاف ما كنا نتوقعه، وقد كان هو يحدد لنا الأفكارالعامة بدقة في كل محاضرة، ويلخصها لنا في المحاضرة التالية ليذكرنا بما قاله من قبل ثم يرشدنا في كل محاضرة إلى المراجع المهمة المفيدة، وقد كان يراعي في المصادر أن تكون متوافرة بمكتبة الكلية، ولا يلزمنا بحرفية ما يقول، وانتهى العام وقد انحفرت المعلومات في عقولنا، وارتفعت درجاتنا في الامتحان ولا أتذكر أن أحدا قد رسب في هذه المادة، فالأمر كان سهلا ميسورا على عكس ما يتوهم الطلاب وإن كان يحتاج إلى بعض الضوابط والنفوس السوية التي تتقبله، وحتى لا أنسى أقول إن إلغاء الكتاب أدى إلى حرص الطلاب على الانتظام في الحضور وعدم التغيب اتكالا على الكتاب، وأدى إلى عدم تسكعهم في الكافيهات وممرات الجامعة وسراديبها التي يفعلون بها ما لا يليق - في حين يظن أهلهم بهم خيرا - هذا فضلا عن ترددهم على المكتبة وتكرار زيارتها!!!.

لكن الذي يحدث أن الجامعة بسياستها العقيمة قد عودت الطلاب على الكتاب، وهي في بدء العام الدراسي تنبه الأساتذة وتحثهم على سرعة إصدار الكتاب، والناشر من ناحية أخرى يفتك بالأستاذ ويضعه بين أنيابه، فهو يرهبه ويحذره ويلزمه بضرورة تهديد الطلاب لحجز الكتاب حتى لا يضطر أن يدفع هو - أي الأستاذ- ثمن ما تم نشره من جيبه في حال عدم شرائهم الكتاب، كما يفرض الناشر على الأستاذ توقيت توزيع الكتاب وغالبا ما يكون قبل الامتحان بأسبوع أو أسبوعين، ويفرض عليه خامة الورق وكمه وسعره ، والأستاذ يضطر إلى التسليم والخضوع حتى لا يقع تحت مساءلة الجامعة، وحتى لا يفتك به الناشر - الذي يحصل على نصيب الأسد مضاعفا من تلك الكعكة - ومن هنا يضطر الأستاذ إلى الضغط على طلابه وتهديدهم مما يسقط هيبته ويمرغها في التراب ، والذي يدفعه إلى ذلك أن من المعتاد أن نصف الطلاب أو أكثرهم يلجأون إلى تصوير الكتاب ساعة نزوله بسعر أرخص، ومن ثم يلجأ الناشر إلى رفع السعر واختيار الخامات الرديئة ليحقق أكبر مكسب ممكن وليعوض ما فاته . ومع ذلك فأنا لا أسوغ فعل الأستاذ على الإطلاق لأن في إمكانه أن يقهر هذه الظروف بقوة شخصيته وقوة إرادته وتضحيته وتعاونه مع أقرانه الشرفاء، بهذا يمكنه أن يفرض الصحيح والصواب،وأن يقتلع الفساد من جذوره ويحرر الجامعة من ربقة العبيد الذين يحكمونها ويسوسونها ، لكن الجميع يا سيدي يؤثرون السلامة خوفا من ثورة الطلاب وآبائهم - في حال لا قدر الله فشلوا- وخوفا من التقارير إياها التي تخسف بهم الأرض وتحرمهم الترقيات والتعيين في المناصب الإدراية العليا وتحرمهم السفر وما إلى ذلك !!! .

الثلاثاء، أكتوبر ٢١، ٢٠٠٨

الكحيانــون ... فكــر جديـد لمستقبــل سعيـد - 1 -






أنصت الكحيانون جيدا إلى مفكرهم الكحيان الذي سكت دهرًا ونطق فكرًا بعد إدانته للفكر الحكيان المعاصر واتهامه له بالتقصير، وإشارته إلى ضرورة إيجاد حلول إبداعية لمشكلات الكحيانين الوجودية والغذائية ؛ وإشارته إلى إنه مازالت هناك كنوز كثيرة لم تفض مغاليقها بعد. وقد ذكر فيما ذكر فكرة استغلال الدارسين العرب – الخليجيين على الأخص - ولكن ظلت هناك إشكالية قائمة تعكر صفو الكحيانين، وتقف دون شروعهم في ذلك الاستغلال، ألا وهي السؤال عن مدى أخلاقية استغلال الدراسين العرب، و مدى تأثير ذلك في قيمة العلم ومدى تأثيره على سمعة التعليم في مصر، وسمعة المصريين عامة في بلاد الجاز ....


ولكن ماذا عليهم في ذلك ؟ ماذا يضيرهم ؟ فإن الحكومة - وهي القدوة- لتحثو من أموال العرب وتملأ جعابها بلا خجل، فهي على سبيل المثال - لا الحصر- تلزم من يتقدم إلى تمهيدي الماجستير منهم بدفع ما يزيد على 20 ألف جنيه - هي تحاسبهم بالاسترليني طبعا- وضاعف عزيزي القارئ هذا الرقم في الماجستير والدكتوراه، هذا فضلا عما يعود على خزائن الدولة من فوائد من جراء إقامتهم وسياحتهم في البلاد وهداياهم الثمينة التي يرشون بها الموظفين والأساتذة الكبار، وحتى لا أنسى أذكركم أن الجامعة قد رفعت أسعار التقدم لنيل هذه الشهادات على المصريين الفقراء منذ ما يزيد على عام رفعتها إلى خمسة أضعاف دفعة واحدة، ولا ندري أين تذهب كل تلك الأموال، مع العلم أن جامعة القاهرة وجامعة الأزهر بالقاهرة على وجه الخصوص يحققان أرباحا طائلة من جراء ذلك، ولا ندري حقًّا أين تذهب تلك الأموال ليت أحدا يجيبنا بحق !!!..

إلى هذا الحد كان يمكن ألا تعاب هذه الأمور على الحكومة، ولكن الذي ضايق الكحيانين ومن أجله ثارت ثائرتهم أن الحكومة كي تحافظ على هذه ا لدجاجة التي تبيض ذهبًا، فإنها تأتي أمورًا شائنة، وتتخطى كل الأعراف والقواعد الأخلاقية والعلمية، فتتهاون معهم وتتجاوز عنهم فيما لا يجوز التجاوز فيه، تتهاون معهم في نسبة الحضور التي يتحدد على أساسها دخول الطلاب الامتحانات أوحرمانهم منها، وتحرص على ألا يرسب طالب منهم ألبتة، وهذا مالا تفعله مع المصريين الحكيانين الذين تطبق عليهم القواعد بصرامة فيحرم أكثرهم دخول الامتحان لنقص يوم أو يومين في الحضور، رغم أن مايدفعهم إلى ذلك ظروف قهرية غالبا مثل العمل والسفر من محافظات أخرى بعيدة وكذلك يرسب أكثرهم في الأدوار الأولى. وقد أخبرني معيد كحيان بأحد الأقسام بكليتي،أن رئيس قسمه في نهاية السنة التمهيدية طلب إليه أن يعد قائمة بعد حصر الغياب بأسماء الطلاب الذين سيحرمون من دخول الامتحان لتقصيرهم في نسبة الحضور، قال ذلك الكحيان: وجدت أن القائمة بها عرب كثيرون ومصريون كذلك، وسلمت الورقة لإدارة الدراسات العليا وفي الامتحانات - والكلام له - فوجئت أن المصريين فقط هم المحرمون من الامتحان في حين أنه لم يحرم من الامتحان عربي واحد، وعندما تساءل عن السر في ذلك قيل له : إنها أوامر عليا !!! .

والغريب أن هذه الشروط لا تسرى على العرب، رغم محدوديتهم وقلة إمكاناتهم العلمية -إلا من رحم الله- ورغم أنهم أقل نشاطا وأقل رغبة في طلب العلم، وأنا أعترف أن إخواني العرب لا ينقصهم الذكاء ولا القدرة، ولكن جلهم يريد هذه الشهادات للوجاهة والتباهي بها، ومن أجل الوصول إلى المناصب السياسية العليا في بلادهم، وقد اعترف لي غير واحد بهذه الحقيقة المؤسفة، وقد زاملني بعضهم في التمهيدي، وكانوا إذا طلب منهم بحث أو تقرير أو ببليوجرافيا أتوا بها على الفور، فهم يدفعون لبعض الباحثين الكحيانين من المصريين فيفذلكون لهم الأبحاث في سويعات مقابل أسعار يحددونها، وبعض هؤلاء كان يقوم بإهداء الأساتذة هدايا ثمينة ( جوالات لا يقل سعر أحدها عن 3000 جنيه، أو لاب توب غالي الثمن، وفي بعض الأحيان يصل الأمر إلى إهداء سيارات فخمة...) وذلك حتى يتجاوزا عنهم، وييسروا عليهم، وعندما سألت أحدهم : فيم تحتاج إلى الدكتوراه ؟ قال أنا لا أحتاج إلى العلم وأحتاج للدكتوراه من أجل أن يتم تعييني وكيلا للوزارة في بلادي. وقال آخر: أنا لا أريد علما ولا زفتا إنما أريد الشهادة للوجاهة الاجتماعية، وقد حاول الأخير أن يغري زميلا لنا وأن يستقطبه من أجل أن يفذلك له رسالة الدكتوراه. وأما عن الأساتذة فحدث عن المصالح والتربيطات معهم ولا حرج؛ حتى إنك تجد هناك أستاذا يحتكر أهل الكويت وآخر يحتكر أهل السعودية، وثالثًا يحتكر أهل قطر... إلخ فيقال: فلان (بتاع) الكويت وفلان (بتاع ) السعودية ... والعرب يأتون من بلادهم قاصدين فلانا أوعلانا بعينه ومعهم توصيات خاصة... وهؤلاء الأساتذة بالطبع يحتقرون - بالقاف لا بالكاف- بجانب ذلك الاحتكار المصريين الفقراء الكحيانين....
هؤلاء الأساتذة - وهم كثيرون - يتجاوزون عن العرب في نسب الحضور، ويمنحونهم في بحوثهم الركيكة التي فذلكها لهم ضعاف العلم والنفوس من المصريين الدرجات العليا، وينجحونهم أجمعين في الامتحانات ويضعون لهم خطط الماجستير والدكتوراه بأنفسهم، ويدافعون عن أغلاطهم في السيمنارات دفاعا شديدا بلا حياء أو خجل، ويدافعون عنهم في المناقشات دفاعا مستميتا يتجاوز كل الأعراف ويظلون بأعضاء اللجان حتى يمنحوهم الامتياز مع مرتبة الشرف وأغلب رسائلهم- لمن يحضر المناقشات- ركيكة جدا وضعيفة جدا . والكحيانون الآن يبحثون مسألة مشاركة هؤلاء الكبار حق الانتفاع بهذه الثروة العظيمة وذلك الكنز الثمين، عن طريق كتابة الأبحاث للعرب، ومساعدتهم في لجان الامتحانات، وصنع خطط الماجستير والدكتوراه وما إلى ذلك ... وهذا بلا شك سيحسن كثيرا من أوضاعهم المادية المتدنية للغاية .....
للحديث بقية